حسن بن موسى القادري

345

شرح حكم الشيخ الأكبر

يتميز أحدهما عن الأخرى ظاهرا لا يشعر بالترقي ، ومن أراد تحقيق هذه المسألة فليرجع إلى الكتابين المذكورين للشيخ قدس سره العلي . 91 - من لم يسكن شواهق الجبال ، لا يقدر على محض الحلال . واعلم أن للعقل ما ينقصه وما يكمله ، فما ينقصه الأكل الكثير ولو من الحلال الصرف ، ومما يكمله قلة الأكل من صرف الحلال ، وصرف الحلال لا يوجد إلا لمن يسكن شواهق الجبال ، كما قال الشيخ قدس سره : ( من لم يسكن شواهق الجبال لا يقدر على محض الحلال ) ( شواهق الجبال ) و ( محض الحلال ) من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كجرد قطيفة أي : الجبال الشاهقة أو الشواهق بالأفراد أو الجمع ؛ لأن المشتق إذا أسند إلى ضمير الجمع كما وقع هنا يجوز إفراده مع التأنيث باعتبار الجماعة ، ويجوز الجمع والإفراد أولى ؛ لأنه أخصر الحلال المحض ، فمن أراد أن لا يأكل إلا من الحلال المحض فيسكن في الجبال الشاهقة العالية التي لا يطلع عليها إلا أحاد الناس ، أو لا يروح إليها أحد ، فيأكل مما فيها من حشيشها وفواكهها الموجودة فيها ، أو مما يزرعه بنفسه من ماله الخالص الذي لا شبهة فيه ، ولو قلنا : لا يكون الحلال الصرف في هذا الزمان إلا ما كان في الجبل قبل لم يبعد عن الصواب ؛ لأن الحلال الصرف في زماننا هذا صار كالكبريت الأحمر ، ومن لم يسكن الجبال العالية لا يقدر أبدا على تحصيل الحلال المحض والتصرف فيه بالأكل أو اللبس أو الفراش لما مرّ آنفا ، وإن لم يمكن لك السكون في شواهق الجبال فعليك بترك الفضول ولو من الحلال . قال الشيخ الأكبر في « الفتوحات المكية » في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة الذي جمع فيه جميع أسرار الفتوحات من أولها إلى آخرها : « إذا حققت الأصول فلا زهد إلا في الفضول ، وأما ما تدعو الحاجة إليه فذلك المعول عليه » . وقال فيه أيضا : « ما حال بينك وبين حقك إلا عجلتك بنطقك ، فإن الرزق مقسوم لا ينقص ، ولا يزيد بسؤال أحد من العبيد مع أن طلب المزيد مركّز في الجبلة في كل نحلة وملة » . وقال فيه أيضا : « الموت اليوم للمؤمن تحفة ، والنعش له تحفة ؛ لأنه ينقله من الدنيا إلى محل لا فتنة فيه ولا بلوى » انتهى .